محمد بن جرير الطبري

338

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

حدثني محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن زياد المدني ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : لما رأى رسول الله ص تولى قومه عنه ، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من الله ، تمنى في نفسه ان يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه ، وكان يسره مع حبه قومه ، وحرصه عليهم ان يلين له بعض ما قد غلظ عليه من امرهم ، حتى حدث بذلك نفسه ، وتمناه وأحبه ، فانزل الله عز وجل : « وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى » ، فلما انتهى إلى قوله : « أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى » ، القى الشيطان على لسانه ، لما كان يحدث به نفسه ، ويتمنى ان يأتي به قومه : تلك الغرانيق العلا ، وان شفاعتهن لترتجى ، فلما سمعت ذلك قريش فرحوا ، وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم ، فاصاخوا له - والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم ، ولا يتهمونه على خطا ولا وهم ولا زلل - فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها ، فسجد المسلمون بسجود نبيهم ، تصديقا لما جاء به ، واتباعا لأمره ، وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم ، لما سمعوا من ذكر آلهتهم ، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر الا سجد ، الا الوليد بن المغيرة ، فإنه كان شيخا كبيرا ، فلم يستطع السجود ، فاخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ، ثم تفرق الناس من المسجد ، وخرجت قريش ، وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم ، يقولون : قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر ، قد زعم فيما يتلو : انها الغرانيق العلا ، وان شفاعتهن ترتضى وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : أسلمت قريش ، فنهض منهم رجال ، وتخلف آخرون ، واتى جبريل رسول الله ص ، فقال : يا محمد ، ما ذا